يبدو مشهد ترامب في بكين، في نظر كثيرين، تعبيراً عن مرحلة جديدة في النظام الدولي؛ مرحلة تتراجع فيها القدرة الأمريكية على فرض الإملاءات الأحادية، مقابل صعود قوى شرقية استطاعت تثبيت حضورها السياسي والاستراتيجي رغم العقوبات والضغوط.
وتأتي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحالية إلى العاصمة الصينية بكين في مايو/أيار 2026 كواحدة من أكثر اللحظات دلالةً على التحولات العميقة التي أصابت بنية السياسة الخارجية الأمريكية. فخلف مشاهد الاستقبال الرسمي الحافل والبروتوكولات الدبلوماسية، يبرز اعتراف أمريكي ضمني بالعجز عن مواجهة جبهة الصمود العالمي، واضطرار واشنطن إلى اللجوء للقوى الشرقية بحثاً عن مخرج من الأزمات التي ساهمت سياساتها في صناعتها، ولا سيما في منطقة غرب آسيا.
التودد للشرق بعد فشل سياسة “الضغوط القصوى”
لطالما راهن البيت الأبيض على أدوات التهديد والعقوبات لكسر إرادة الدول والشعوب المستقلة، وفي مقدمتها إيران التي وقفت، بحسب هذا المنظور، سداً منيعاً أمام المشاريع الصهيو-أمريكية في المنطقة. واليوم، يظهر ترامب، الذي سبق أن مزق الاتفاقيات الدولية وأعاد فرض العقوبات، متوجهاً إلى بكين برفقة كبار رموز التكنولوجيا الأمريكية، مثل إيلون ماسك وجينسن هوانج، ليس بهدف التجارة وحدها، بل سعياً لطلب تدخل صيني يساهم في تهدئة الجبهات التي فجرتها السياسات الأمريكية ذاتها.
هذا التحول يعكس جملة من الحقائق السياسية المهمة:
– ارتداد سلاح العقوبات على واشنطن نفسها:
فبدلاً من عزل القوى الصاعدة، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام عزلة دولية متزايدة، وهي تبحث اليوم عن وسطاء قادرين على احتواء التصعيد في مضيق هرمز وتأمين ممرات الطاقة التي أصابها الاضطراب بفعل السياسات الأمريكية.
– تراجع صورة “شرطي العالم”:
إن لجوء واشنطن إلى بكين لمعالجة ملفات إقليمية حساسة يمثل إقراراً ضمنياً بأن أدوات القوة الأمريكية لم تعد كافية لفرض الوقائع السياسية والعسكرية كما كان الحال في العقود الماضية، وأن موازين التأثير الميداني تشهد تحولات متسارعة.
أمن الطاقة ومضيق هرمز: معادلات القوة الجديدة
تشير العديد من التقارير إلى أن الملف الإيراني يحتل موقعاً مركزياً في المباحثات الجارية في بكين. فالولايات المتحدة، القلقة من تعطل إمدادات النفط وارتفاع الأسعار عالمياً، تحاول عبر البوابة الصينية الوصول إلى تفاهمات تخفف من حدة التوتر وتحمي مصالحها في الخليج الفارسي.
وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن قدرة إيران على الصمود في مواجهة ما تصفه بـ”الإرهاب الاقتصادي” قد منحتها موقعاً متقدماً في معادلات أمن الطاقة الإقليمي. ومن هنا، فإن محاولة واشنطن دفع بكين إلى ممارسة الضغط على طهران تعكس إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن أي ترتيبات للاستقرار في المنطقة لا يمكن أن تتجاوز الدور الإيراني أو تتجاهل معادلات السيادة التي تطرحها طهران.
تحالف “الشرق العظيم” في مواجهة التذبذب الأمريكي
في الوقت الذي تواجه فيه الإدارة الأمريكية أزمات داخلية متراكمة واستقطاباً سياسياً حاداً، تواصل بكين تعزيز حضورها كشريك استراتيجي للقوى المناهضة للهيمنة الغربية، وفي مقدمتها إيران.
وقد كشفت زيارة ترامب الأخيرة عدة مؤشرات لافتة:
– الصين لا تفرط بحلفائها:
فرغم الإغراءات الاقتصادية وصفقات الطائرات والتكنولوجيا التي تحاول واشنطن تقديمها، تبدو بكين أكثر حذراً في التعامل مع الإدارة الأمريكية، مع تمسكها بعلاقاتها الاستراتيجية مع طهران باعتبارها جزءاً من مشروع دولي متعدد الأقطاب.
– إخفاق مشروع “الناتو العربي-الصهيوني”:
إن اضطرار واشنطن إلى طلب المساعدة من الشرق يعكس، وفق هذا الطرح، فشل المحاولات السابقة لتشكيل تحالفات إقليمية معادية لإيران، في ظل تراجع الثقة بالحماية الأمريكية، وصعود قناعة متزايدة بأن موازين القوة الدولية تتجه نحو محور يضم طهران وبكين وموسكو.
خاتمة
إن مشهد ترامب في بكين يبدو، في نظر كثيرين، تعبيراً عن مرحلة جديدة في النظام الدولي؛ مرحلة تتراجع فيها القدرة الأمريكية على فرض الإملاءات الأحادية، مقابل صعود قوى شرقية استطاعت تثبيت حضورها السياسي والاستراتيجي رغم العقوبات والضغوط.
وبينما كانت واشنطن لعقود ترسم حدود النفوذ وتحدد مسارات الأزمات، تجد نفسها اليوم مضطرة للجلوس إلى طاولة تفاوض غير مباشرة مع القوى التي سعت سابقاً إلى محاصرتها. وهكذا، يظهر أن خطاب “المقاومة والصمود” الذي تتبناه طهران بات يترجم نفسه سياسياً في أروقة بكين، حيث تواجه الولايات المتحدة واقعاً دولياً جديداً لم تعد فيه اللاعب الأوحد على المسرح العالمي.
بقلم: سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية والدولية