لم يكن خطاب قائد الثورة الإيرانية السيد مجتبى الخامنئي (دام ظلّه) مجرد كلمة عابرة في سياق تصعيد عسكري، ولا هو من باب التطمين أو الرد على الشكوك كما جرت عليه العادة في خطابات القادة وقت الأزمات.
لا … لقد كان خطاباً مختلفاً تماماً، خطاب النصر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خطاب استمد قوته من الميدان، من أصفهان، من طهران وشيراز ومن كل المحافظات الإيرانية بل ومن أعماق الصمود الإيراني الذي هزّ أركان أقوى تحالف عسكري في العالم.
بينما كان ترامب وفريقه يلهثون وراء أوهام الحسم العسكري، وقف قائد الثورة ليعلن للعالم: إيران لم تنتصر فقط، بل أعادت كتابة خريطة القوى في “الشرق الأوسط”. وهذه ليست دعاية، بل قراءة موضوعية لنتائج وتداعيات حرب فرضت على إيران، وانتهت بتراجع القوى المهاجمة وإقرارها ضمنياً بعجزها عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة.
خطاب النصر – بين العزاء الإمبريالي والثقة الإيرانية
هناك فرق شاسع بين خطابات الزعماء الذين يحاولون ترميم صورة هزيمتهم، وبين خطاب قائد يمتلك زمام المبادرة. خطاب ترامب المعتاد، المليء بالإنكار والخداع ومحطات الجنون واللاإستقرار، كان يعكس أزمة ثقة داخل البيت الأبيض. أما خطاب المرشد الإيراني الجديد، فكان صورة معكوسة: نبرة واثقة، لغة لا تترك مجالاً للشك، وتأكيداً على أن “الوتيرة العليا للعدوان” قد انتهت إلى غير رجعة.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران , أمريكا , آية الله السيد مجتبى الخامنئي ,
لم يعد هناك ما يُسمى “رسائل بالنار” ذات أهمية استراتيجية، لأن ميزان القوى قد تغيّر إلى الأبد. فما كانت واشنطن وتل أبيب تظنانه “حرباً خاطفة” لتفكيك المشروع الإيراني، تحول إلى مستنقع استنزاف للعدو، وميدان لإثبات قدرة إيران على تحمل أعتى الضربات والرد عليها بقسوة وذكاء.
الهارت لاند الجنوبي لم يعد محتكراً لأحد
ما لم يفهمه ترامب وفريقه، أو تناسوه عمداً، هو أن الحرب على إيران لم تكن فقط حول البرنامج النووي. كانت معركة وجودية على “الهارت لاند الجنوبي” – تلك المنطقة الحيوية التي تربط آسيا بإفريقيا وأوروبا، وتسيطر على ممرات الطاقة والتجارة العالمية.
إيران، عبر صمودها وتضحياتها، أثبتت أن هذا القلب الجغرافي لم يعد محتكراً من قبل الإمبريالية الأميركية والرأسمالية الغربية. لقد دخلت طهران كلاعب أساسي، بل قائد فعلي، في إدارة هذا الفضاء الحيوي. وهذا التحول ليس مجرد تفصيل تكتيكي، بل هو انقلاب استراتيجي يعيد تشكيل النظام العالمي.
فالدول التي راهنت على الحماية الأميركية، وسلّمت مفاتيح قرارها لقناصل الإمبريالية، سيكون مصيرها اليوم وغداً هو التهميش أو إعادة الرسم على خرائط جديدة لا علاقة لها باستقلالها المزعوم.
درس التاريخ الذي غاب عن ترامب – من عبد الناصر إلى السيد الخامنئي
يحذر الاستراتيجيون الكبار، مثل بول كينيدي، من “التداعيات الخطرة لحرب طويلة للإمبراطوريات البحرية خارج أسوارها”. هذا ما حدث لبريطانيا عندما اصطدمت بعبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي، وهذا ما يحدث اليوم لأميركا عندما اصطدمت بإيران.
فشل مشروع السيطرة على “الهارت لاند الجنوبي” لتطويق “الهارت لاند الأوراسي” (روسيا والصين) وقطع “طريق الحرير”. إيران كانت حجر العثرة، والسد المنيع، والصخرة التي تحطمت عليها حسابات البنتاغون.
أما أوروبا، التي انخرطت في حرب الطاقة والعقوبات إلى جانب أميركا، ستخرج من هذه المواجهة بين الخاسرين الكبار. والصين، التي راهنت بحكمة على اتفاقيات التبادل بالعملة المحلية مع مزوديها بالطاقة، فقد حصّنت نفسها من أسوأ التداعيات، وها هي اليوم تجني ثمار صبرها واستراتيجيتها البعيدة المدى.
الخليج الفارسي ليس كما كان – تفاهمات جديدة ونفوذ إيراني متعاظم
لعلّ من أهم ثمار هذا النصر الإيراني، ما يحدث الآن في الخليج الفارسي، تلك المنطقة التي كانت لوقت طويل “بحيرة خلفية” للنفوذ الإمبريالي البريطاني ثم الأميركي، دخلت اليوم – سواء على نحو علني أو غير علني – في دائرة التفاهمات الثنائية مع طهران.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران , أمريكا , آية الله السيد مجتبى الخامنئي ,
لم تعد مجاميع استخباراتية أميركية أو بريطانية أو صهيونية قادرة على اللعب في الخليج الفارسي من طابق في أي مبنى كان، كما كان يحصل سابقاً. ذلك الزمان ولّى.
اليوم، صارت طهران شريكاً أساسياً في كل ما يتعلق بمستقبل سياسات النفط والغاز، والمرور البري والبحري للسفن الكبيرة والصغيرة على حد سواء. هذه لحظة جديدة، على طريق إمام الزمان الجديد.
حزب الله – بطولة استثنائية في تاريخ حركات المقاومة
لا يمكن الحديث عن النصر الإيراني دون التوقف عند حزب الله، ذلك الحليف العظيم الذي كان سيف إيران في الميدان. ما فعله رجال المقاومة في بنت جبيل، والطيبة، والخيام، وكل القرى الحدوديك وملعب الشهيد القائد السيد حسن نصر الله، هو حالة غير مسبوقة في تاريخ حركات المقاومة.
في المقارنة تبرز دول كبرى بجيوشها المجهزة تسليحاً وتنظيماً، مثل فرنسا، سقطت في أسابيع أمام الغزو النازي. جيوش عربية بحجم مصر وسوريا والأردن انهارت في حزيران 1967. أما هؤلاء المجاهدون، فبإرادة قتالية وكرامة وبطولة خارقة، صمدوا أمام واحدة من أعتى القوى الهمجية المسلحة بأحدث التقنيات الجوية والبرية في تاريخ الحروب.
هذا ليس كلاماً عاطفياً، هذه حقيقة ميدانية شاهدها العالم أجمع. صواريخ حزب الله لم تخرس فقط مدافع العدو، بل أسكتت أيضاً مشاريع “اتفاق 17 أيار” الجديد، ومسوّدات قانون الانتخاب العنصري التي كانت تحضر في الكواليس لإقصاء الجنوب والضاحية والبقاع.
العالم الرباعي القادم – إيران إلى جانب الكبار
من خلال هذا النصر، لم تعد إيران مجرد دولة إقليمية. لقد دخلت نادي اللاعبين الدوليين الكبار. يمكننا، دون مبالغة، أن نقول إن المشهد العالمي القادم سيكون رباعياً: واشنطن، موسكو، بكين، وطهران.
ومن يحاول الإعتراض على هذه المقاربة، عليه أن يعود بالتاريخ إلى مؤتمر يالطا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اجتمع الثلاثة الكبار (تشرشل، ستالين، روزفلت) لرسم خريطة العالم الجديد. اليوم، وبعد هذه الحرب، يحتاج العالم إلى لقاء رباعي يضم إيران إلى جانب أميركا وروسيا والصين. هذا هو منطق القوة الجديد، وهذه هي حقيقة المرحلة.
العزب بين الغياب والفرصة – رسالة أمل وأسف
أمام كل التطورات التي حدثت خلال الشهرين الماضيين يؤسفنا القول إن العرب كانوا غائبين عن هذا المشهد، غيابهم لم يكن بسبب ظلم خارجي، بل بسبب رضوخهم الطوعي للمتروبولات الرأسمالية واليهودية العالمية. لا مكان للغائبين، وهذه حقيقة مُرّة لكنها صادقة.
لكن، وبالحد الأدنى، إذا ما استعادت القاهرة والقوى العربية المستقلة دورها التاريخي، فإن النصر الإيراني ليس مغلقاً عليهم. بل هو مفتوح وموضوع تحت تصرفهم. يمكنهم توظيفه لصالحهم، ما داموا يسيطرون على المنافذ البحرية والبرية الأساسية للهارت لاند الجنوبي.
كلمة بالمرستون، السياسي البريطاني الماكر، تبقى صحيحة: “الثابت هو المصالح وليس الصداقات أو الخصومات”. والمصالح تتحدد بالتقاطعات، والمشتركات، والطبيعة الاجتماعية السياسية للقوى الفاعلة. وإيران، رغم ما يكنّها لها البعض، ليست المتروبول الإمبريالي، هي حليف موضوعي لمن يريد الاستقلال والكرامة.
إيران انتصرت – والعالم يكتب فصلاً جديداً
لننظر إلى الحقائق بلا خوف أو تجميل وبواقع كما هو: إيران خاضت حرباً غير متكافئة ضد أعظم قوة عسكرية في التاريخ، وتحالف صهيوني مدعوم بكل الإمكانيات الغربية. وبعد أسابيع من القصف والاغتيالات والتهديدات، لم تسقط طهران، لم ينهار برنامجها النووي، لم تتراجع إرادتها، بل على العكس، خرجت من المعركة أكثر قوة، وأوسع نفوذاً، وأعلى صوتاً.
هذا هو النصر، النصر الذي لا يُقرأ فقط في عدد الصواريخ التي أطلقت، أو الدبابات التي دمرت، بل في تحولات كبرى في موازين القوى الإقليمية والدولية. الخليج الفارسي يتفاهم مع طهران…أوروبا خاسرة… أميركا تتراجع… والصين وروسيا تراقبان بارتياح…
وخطاب قائد الثورة الجديد لم يكن مجرد كلمات، بل كان بيان حالة و إعلان ولادة إيران جديدة، أقوى وأكثر عزيمة، تمضي على طريق ائمتها، حاملةً راية المقاومة حتى تحقيق العدل الإلهي على يد إمام الزمان.
المجد لشهداء إيران ولبنان والمقاومة. والنصر المؤزر لطهران وحلفائها لا سيما حزب الله. وما كان النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.